التحليل الإخباري الأسد وتجديد حركة التحرر العربية درج بعض المثقفين والكتاب الوطنيين العرب على التعامل بتحفظ مع الموقف والأداء السوريين في الصراع العربي الإسرائيلي، ولطالما غمز بعضهم بدرجة عالية من التشكيك وسوء الظن من قناة أسلوب سوريا في إدارة الصراع، منطلقين من فرضية أن المبادئ السورية المكرسة في الخطاب الرسمي حول الأفكار التحررية والمصالح القومية، ليست سوى أدوات في خدمة ما اصطلح بعضهم على تسميته إستراتيجية حماية النظام، بينما تعاملوا مع الدبلوماسية السورية وفكر التسوية العادلة والشاملة التي تمحور عليها خطاب سوريا في العقود الأربعة الماضية على أنها جواز مرور سوري لنيل اعتراف من الولايات المتحدة والغرب بدور تدور المساومات حوله، وعبر بطاقة دخول هي الصلح مع إسرائيل. على الرغم من حقائق الصمود السوري عند خيار التحرير الكامل للجولان و مقاومة سوريا لموجة الاتفاقات المنفردة و إصرارها على مفهوم الحد الأدنى من الحقوق العربية مع استمرار سوريا في رعاية قوى المقاومة الجديدة في لبنان و فلسطين و في عز انخراطها في العملية التفاوضية منذ مؤتمر مدريد و التي تصرفت فيها ببراعة تثير الإعجاب مكنتها من احتواء التحول الخطير في التوازنات الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و كسب الوقت لبلورة بدائل إستراتيجية من خلال علاقاتها مع إيران و الصين و دول أخرى عديدة في المنطقة و العالم برز منها في السنوات الأخيرة إنجاز الأسد القومي في العلاقة مع تركيا. أولا منذ احتلال العراق قبل سبعة أعوام بالتمام، حسم الرئيس بشار الأسد بالوقائع وليس بالخطاب النظري والثقافي كل ما تراكم من انتقاص لجدارة الموقع السوري و نقائه القومي و الوطني ، وبات بعض الكتاب والمثقفين والساسة من تلك الفئة المشككة يتلعثمون أمام حشد المعطيات التي بلغت ذروتها في الرد القوي والمباشر الذي سدده الرئيس الأسد لفكرة الاشتراطات الأميركية كما عبرت عنها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في تصريحها الذي نال نصيبه العادل من التهكم والسخرية في التوقيع على إلغاء التأشيرات بين سوريا وإيران ومن ثم في الصورة المعبرة التي تركت في إسرائيل زلزالا كبيرا ثبت دعائم معادلات الردع الاستراتيجي، وأورث سلسلة من الاعترافات القيادية الإسرائيلية بأن سوريا نجحت بقوة في استثمار عناصر القوة وتحويلها إلى حلقة خانقة باتت معها أي مغامرة إسرائيلية على أي من جبهات الصراع نذيرا بحرب شاملة لا قبل لإسرائيل بتحمل تبعاتها واكلا فها. أصحاب الموقف المشكك من ذوي النوايا الحسنة باتوا يقرون اليوم في أي نقاش بحقيقة أن الصراع الذي قاده الرئيس بشار الأسد في السنوات السبع الأخيرة كان صراعا بدا فيه الأسد قائدا لحكم وطني تحرري يتصدى للغزوة الاستعمارية الأميركية الإسرائيلية ويرفض مساومتها متمسكا بخيار المقاومة العربية في العراق ولبنان وفلسطين وبالتحالف بين سوريا وإيران على أساس مبادئ التحرر من الهيمنة الاستعمارية والاستقلال والتصدي لإسرائيل ولحروبها ولاحتلالها، و يعترف هؤلاء للرئيس الأسد بأنه ومنذ زيارة كولن باول الشهيرة في أيار 2003 يحصد حالة من الالتفاف الشعبي داخل سوريا وانجازات كبرى في إدارة الصراع عبر عنها المفوض الأميركي الذي عين في بيروت مفوضا عاما لحملة إسقاط سوريا وإخضاعها، عندما قال مؤخرا من واشنطن إن حصيلة مخطط إدارة بوش ضد سوريا انتهت إلى عزلة الولايات المتحدة وانتصار سوريا سياسيا بشكل كامل. ثانيا يذكر المراقبون اليوم مشهد الموج الجماهيري الذي خرج في سوريا رافعا صور الرئيس الأسد بعفوية لا يشوبها تدبير، حيث أيقظ الرئيس بشار الأسد وجدانا عروبيا راسخا لدى الشعب السوري الذي أثاره مرأى المذابح والنهب في العراق على يد المحتل الأميركي بينما الرئيس السوري يخوض معركة الدفاع عن شرعية المقاومة العراقية ويتحدى الغطرسة الأميركية، وكذلك ظهر الغليان السوري الكاسح ضد الاعتداءات والافتراءات والحملات العنصرية التي استهدفت سوريا وشعبها وقيادتها على أيدي مجوعة 14 آذار التي حركها الأميركيون في لبنان، في حين كان الرئيس الأسد يوفر كل دعم واحتضان للمقاومة اللبنانية وللقوى السياسية الداعمة لها في وجه الغزو الأميركي الإسرائيلي وهو ما توجته ملحمة حرب تموز 2006 التي انتهت إلى انتصار تاريخي شاركت سوريا الأسد بشعبها وبجميع مقدراتها في صناعته إلى جانب الشعب والمقاومة والجيش في لبنان. أما القضية الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية، فموقف سوريا منهما لم يتزحزح لا بالضغط ولا بالغوايات ولا بالتهديد والحصيلة أن الدول الغربية التي كانت تطالب سوريا بقطع علاقاتها مع فصائل المقاومة باتت تقصد الرئيس الأسد لتتوسل منه قنوات اتصال وحوار مع قيادة حركة حماس بعد حرب غزة التي أفشلت فيها المقاومة الفلسطينية وشعبها حرب الإبادة الإسرائيلية وكانت سوريا هي الظهير والسند والحاضن كما كانت إزاء لبنان. ثالثا القاعدة السورية الصلبة التي يعززها الاستقرار الأمني والسياسي والمنسوجة بالخيار الوطني والقومي التحرري كما يعبر عنه الرئيس الأسد الذي أعلن الانتقال إلى عصر إستراتيجية المقاومة وهو يواصل بناء القوة الدفاعية السورية الرادعة للعدوان، تكرس أيضا بقدرة الرئيس الأسد والقيادة السورية على مواصلة البناء والتنمية ومد الجسور في المنطقة والعالم على الرغم من قيود الضغوط والحصار التي لم تعمر طويلا بفعل قوة الإرادة وانتصارات حلف المقاومة والصمود في المنطقة. النموذج السوري الجامع بين خيار التحرر الوطني والقومي بكل وضوح وبين السياسة الخارجية الواقعية التي وظفت بإتقان خطاب السلام العادل والشامل في البرهنة على ما تمثله إسرائيل من تهديد للاستقرار ومن تمرد على قرارات الأمم المتحدة، والمشاركة المحسوبة في المفاوضات غير المباشرة مع العدو، كانت في حقيقتها أدوات مهمة لتحقيق التحول الاستراتيجي التركي الذي يؤثر نوعيا في توازن القوى اليوم وكذلك في إقامة شراكات وعلاقات دولية أكسبت القوة السورية مزيدا من الفاعلية والمناعة. رابعا الرئيس الأسد أظهر في أدائه الاستراتيجي والسياسي مكونات تاريخية تجعل منه رمزا قوميا عربيا بارزا في التاريخ المعاصر وهو في واقع الصراع العربي الإسرائيلي عنوانا كبيرا وهاما لخيار احتضان المقاومة ودعمها وحمايتها بجميع الإمكانات والوسائل المتاحة لسوريا ويمثل أيضا أسلوبه في إدارة الصراع نموذجا للقدرة الاستثنائية على تظهير عناصر القوة والبناء عليها واستثمارها واستعمال كل أدوات المناورة المتاحة في ساحة الصراع والتمسك بالتحالفات المبدئية في آن معا، سوريا تحاور فرنسا وتقيم تفاهمات معها وسوريا تحاور الإدارة الأميركية وتناقش معها شؤون المنطقة وسوريا تتعاون مع تركيا، سوريا تعمل من خلال صيغة مجموعة دول الجوار في العراق وتمتد بتأثيراتها الدولية والإقليمية على قوس واسع بين القوقاز والقرن الأفريقي لكن كل ذلك يسير بالتوازي مع خط ثابت ومتين وعميق قوامه علاقة سوريا التي لا تنفصم مع حزب الله ومع المقاومة الفلسطينية ومع المقاومة العراقية ومع جمهورية إيران الإسلامية تحت لواء التحرر الوطني وأولوية الصراع مع إسرائيل. بالسوية ذاتها تشارك سوريا بفاعلية في المجموعة العربية وتدير الحوار و المشاركة مع الدول الشقيقة بحكمة عالية مكنتها من تقريب المسافات في قضايا الخلاف مع أكثر من اتجاه و أبرز المؤشرات نجاحها في استعادة حرارة العلاقة مع المملكة السعودية مؤخرا و النجاح في رعاية الوفاق اللبناني. إنها حقبة جديدة من تاريخ حركة التحرر الوطني العربي إذا أردنا اختصارها برمزية معينة فهي ستجمع بالتأكيد بين الرئيس الدكتور بشار الأسد وسماحة السيد حسن نصرالله وقادة فصائل المقاومة الفلسطينية وحيث يمثل الرئيس السوري الموقع القيادي المتقدم في العملية السياسية بفعل إمكانات سوريا ودورها وقوتها وعلاقاتها، ولكن قرارا واحدا من القرارات السورية طيلة هذه الأعوام لم يتخذ إلا على أساس اختيار ما يعزز قوة المقاومة وإمكاناتها في مواجهة العدو. و الإنجاز الفكري و الثقافي للرئيس الأسد هو أنه بنى هذه الصيغة الجديدة لحركة التحرر على التخلص من التحجر الإيديولوجي و الانطلاق في العلاقة المتينة بين التيار القومي العلماني الذي يمثله شخصيا و بين حركات إسلامية مناضلة تقود المقاومة الجديدة بحيث باتت عملية الجمع بين مكونات إيديولوجية و عقائدية مختلفة في رحاب البرامج و الأهداف المشتركة هي الأصل و البديل عن ذاكرة مشحونة بالتناحر و الصراعات العبثية . غالب قنديل
|