أوباما وحقوق الإنسان... الوعود الفارغة! كينيث روث مثلما قد يتوقع المرء من زعيم فصيح وبليغ، فقد أحدث الرئيس أوباما تحسنا ملحوظا في الخطاب الرئاسي حول حقوق الإنسان مقارنة مع سلفه. ففي سلسلة من الخطابات التي ألقاها حول العالم، والتي تم إعدادها بعناية فائقة حسب كل جمهور، قدم أوباما رؤية قوية ومقنعة، مشددا على أن احترام حقوق الإنسان ليس أمرا صحيحا وصائبا أخلاقيا فحسب، وإنما مفيد أيضا للولايات المتحدة والعالم. لكن التحدي الذي يواجه إدارته هو ترجمة ذلك الخطاب إلى سياسة وممارسة. في القاهرة، على سبيل المثال، شدد أوباما على أهمية الديمقراطية؛ وخلافا لسلفه بوش، الذي توقف عن تشجيع الديمقراطية في الشرق الأوسط عندما فازت "حماس" بالانتخابات الفلسطينية، وحقق "الإخوان المسلمون" نتائج أفضل مما كان متوقعاً في الانتخابات البرلمانية المصرية، أشار أوباما إلى أنه سيقبل ويعترف بنتائج الانتخابات النزيهة بغض النظر عن الفائز؛ لكنه، وعلى نحو مخيب للآمال، لم يفعل شيئا تقريبا لدفع أنظمة سلطوية في المنطقة باتجاه أكثر ديمقراطية. وفي إفريقيا، أشاد الرئيس كلينتون ذات مرة بـ"زعماء أفارقة جدد"، مثل الرئيس الرواندي بول كاجامي، ورئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي، وكل منهما سلك منذ ذلك الوقت مسلكا سلطويا يبعث على القلق. والواقع أن أوباما قطع ضمنيا مع تلك المقاربة خلال خطاب ألقاه في آكرا عندما قال إن إفريقيا ليست في حاجة إلى "رجال أقوياء"، بل إلى "مؤسسات قوية"، مثل قوات شرطة نزيهة، وبرلمان قوي، وصحافة مستقلة. غير أن هذه المقاربة لم تفرز ضغطا مستديما، لا على كاجامي ولا على زيناوي حتى يغيرا الاتجاه. ومن جانبها، سعت الحكومة الروسية إلى التضييق على الكتابات الصحفية حول حقوق الإنسان عبر فرض شروط ومتطلبات تنظيمية صعبة؛ ورد أوباما على ذلك بالالتقاء مع زعماء المجتمع المدني والتشديد خلال خطاب له في موسكو على أن المجتمع المدني الأميركي، ومن خلال انتقاد سياساته وطرح الأسئلة حولها، إنما يساعده على الحكم على نحو أحسن. إلا أن أوباما لم يمارس ضغوطا جادة على روسيا حتى تقوم بمحاكمة الأشخاص الذين يقفون وراء اغتيال النشطاء والصحافيين الذين يتناولون مواضيع حقوق الإنسان، والذي يمكن القول إنه يمثل أخطر تهديد بالنسبة للمجتمع المدني الروسي اليوم. والحقيقة أن أوباما لامس النقاط الصحيحة حول أهمية احترام حقوق الإنسان عند زيارته الصين، لكنه أضعف رسالته عندما تخلف عن الالتقاء قبل ذلك مع الدالاي لاما وأخطأ الجواب على سؤال حول الرقابة التي تفرضها السلطات الصينية على الإنترنت عبر القول إن الإنترنت يمكن أن تمثل "تقليدا" مختلفا، وليس انتهاكا سافرا لحرية التعبير. على أن تصريح وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون لم يساعد على تصويب الأمور عندما قالت في وقت سابق إن حقوق الإنسان "لا يمكن أن تشوش" على مصالح أميركية أخرى في الصين. وعلى نحو متوقع، لم يحصل أوباما على أي شيء تقريبا بخصوص حقوق الإنسان من زيارته إلى الصين. بل إن بكين عمدت، بعد وقت قصير على الزيارة، إلى إصدار واحد من أشد الأحكام بالسجن في حق ناشط حقوقي بارز. وحتى حول موضوع محاربة الإرهاب -وهو المجال الذي بدت فيه سياسات أوباما في البداية الأبعد عن سياسات بوش- فإن النتائج جاءت دون ما كان مؤملا، حيث أمر أوباما الـ"سي آي إيه" بالالتزام بقواعد الجيش الأكثر صرامة بخصوص الاستنطاق، وأغلق منشآت الاعتقال السرية حيث كان المشتبه في علاقتهم بالإرهاب "يختفون" ويُعذبون، لكنه رفض التحقيق مع المسؤولين الكبار الذين أمروا بالتعذيب أو محامي الحكومة الذين قدموا تبريرات قانونية ضعيفة وواهية لها، ناهيك عن متابعتهم قضائيا. والحال أنه لا يكفي أن يحترم رئيس القانون إنْ هو لم يدافع أيضا عن القانون عبر متابعة المسؤولين عن الخروقات السافرة قضائيا. وبالمثل، أعلن أوباما أنه سيُغلق المعتقل الرهيب في خليج جوانتانامو، لكن يبدو أنه كان يقصد السجن كمبنى فقط، وليس السياسات التي يمثلها ويرمز إليها؛ إذ يقترح الاستمرار في محاكمة بعض المشتبه فيهم أمام لجان عسكرية، لجان ليست أحسن من تلك التي أيدها بوش إلا بقليل، وتظل مع ذلك دون المستوى. وإضافة إلى ذلك، تشير إدارة أوباما اليوم إلى أن نحو 47 مشتبها فيهم سيظلون رهن الاعتقال الطويل بدون محاكمة؛ والحال أن قيمة المشتبه فيهم المحتجزين ظلماً في جوانتانامو أو المحاكَمين في لجان عسكرية هي أكبر بكثير بالنسبة لمن يقومون بتجنيد الإرهابيين من المشتبه فيهم الذين يُطلق سراحهم. ولذلك، فمن الأفضل محاكمتهم في المحاكم الفدرالية العادية، التي أثبتت أنها قادرة تماما على معالجة هذا النوع من القضايا، من محاكمتهم في اللجان العسكرية. ثم إن المحاكمات العادية تنتج على الأرجح نتائج لا يستطيع أحد التشكيك في نزاهتها وعدالتها. إن أوباما يعترف بأهمية إصلاح وترميم سمعة أميركا بخصوص حقوق الإنسان بعد سنوات بوش السوداء؛ لكن النجاح يتطلب أكثر من مجرد الخطابات القوية والمؤثرة؛ ولذلك، فإنه لا بد من إقران الأفعال بالأقوال. الاتحاد
|