نشرت صحيفة "السفير" الرواية الكاملة لغرفة العمليات المركزية ولجنة التحقيق المركزية في حادثة تحطم الطائرة الاثوبية في وزارة الدفاع لمجريات 14 يوما من رحلة البحث عن الطائرة.
وتقول الرواية انه "عندما تبلغت قيادة الجيش بنبأ تحطم الطائرة، كانت الرادارات العسكرية قد حددت إحداثيات أولية لمكان سقوطها، تحديدا في المنطقة المقابلة لشاطئ الناعمة، بقطر نحو ثلاثين ألف متر مربّع، وبعمق يصل بالحد الأقصى إلى ما بين مئة ومئة وخمسين مترا. وتم تكليف مغاوير البحر وسلاح الجو بالعمل في المهلة الأولى التي تم تحديدها باثنين وسبعين ساعة، من أجل محاولة إنقاذ ركاب الطائرة، وتمت الاستعانة للمهمة نفسها بمراكب البحرية و«اليونيفيل» وكلها غير مزودة بأية تجهيزات للبحث عن حطام الطائرات.
وعندما بدأت فرق العمل منذ اللحظة الأولى، بالاستنجاد بالإمكانات الخارجية، كان المركب الأميركي «يو اس اس راميج» أقرب مركب للسواحل اللبنانية (كان في مهمة في البحر الأبيض المتوسط)، وتوجه فورا إلى الشواطئ اللبنانية، وبالفعل بدأ المركب يتحرك على قاعدة محاولة تحديد مكان الصندوق الأسود، فيما كان الجيش و«اليونيفيل» يواصلون مساعي الإنقاذ...
واثناء الساعات الأولى، من العمل، التقط المركب الأميركي ذبذبات يصدرها عادة «الصندوق الأسود»،(قبيل ساعات من انتهاء مهلة الـ72 ساعة للانقاذ) بعدما أعطيناه طبعا الموجة التي يعمل عليها وهي 67،5، ولكن المشكلة التي واجهتنا أن المركب الأميركي قادر على الالتقاط في قطر يصل إلى حوالى 15 كيلومترا، وقد تم أخذ المعطى في الاعتبار، وقلنا أنه تم التقاط الذبذبات. وعلى الفور، وتحت إشراف لجنة التحقيق انتقلنا إلى مرحلة ثانية هي محاولة التحديد الدقيق حيث بدأ العمل الجدي للـ«أوشن اليرت»، وتم الطلب بالتزامن خبراء فرنسيين متخصصين بالغطس ويمتلكون تقنيات قادرة على التحديد، وفي الوقت نفسه، طُلبت باخرة ثانية، فقيل أن أقرب باخرة أميركية قادرة على انتشال أجسام كبيرة هي GRAPPLE USNS ، ولكنها موجودة في تونس وهي مزودة بتقنيات ورافعات وعلى متنها فريق من الغطاسين المحترفين، وتبلغنا سريعا أنها أبحرت باتجاه لبنان، لكنها تأخرت نحو 72 ساعة بسبب العاصفة وأحوال البحر الأبيض المتوسط. أيضا أرسل الفرنسيون فريقا ثانيا من الخبراء المزودين بتقنيات أكثر تطورا، بناء على طلب لجنة التحقيق وبالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، وكانت هناك غرفة عمليات مركزية تشارك فيها لجنة التحقيق الدولية ولجنة التحقيق اللبنانية والجيش و«اليونيفيل» وكل الفرق المشاركة في عمليات الإنقاذ والبحث، وكانت تجتمع بصورة شبه يومية في القاعدة البحرية للجيش في مرفأ بيروت، ولا يستطيع أي طرف أن يخطو خطوة واحدة بمعزل عن الغرفة وموافقة لجنة التحقيق الدولية. وبسبب عرض القطر المحتمل لوجود الباخرة (50 كيلومترا) تم توسيع نطاق منطقة العمليات ليمتد من جنوب نهر الدامور وحتى رأس بيروت، وتم تقسيمه إلى ثلاث مربعات، توزع العمل فيها بين الفرق اللبنانية والدولية، وبحيث كانت تتم الاستعانة عند الحاجة بجهاز الـ«سونار» على متن «يو اس اس راميج» الأميركية، لتتولى بعد ذلك «اوشن اليرت» عملية المسح الصوتي، فإذا تبين لها وجود عناصر استثنائية، يتم الانتقال إلى تصوير مرئي عبر جهاز «أر أو في»، الذي يحدد بالصورة أية أشكال هندسية في البحر. وتم الاتفاق على آلية للمسح الصوتي والمرئي: تحديد نطاق العمليات، المسح الصوتي، الإشارات الصوتية، الصور ومن ثم رفع المعطيات الى لجنة التحقيق. يجري تقاطع المعلومات وتبادل الآراء بصورة عليمة بإدارة لجنة التحقيق التي تتولى التوجيه فيما يشرف الجيش اللبناني على التنفيذ، حيث تم وضع عسكريين على كل مركب أو باخرة غير لبنانية (الضابط الذي يرافق عمل GRAPPLE USNS، برتبة عقيد على سبيل المثال لا الحصر). منذ اللحظة الأولى، قررت لجنة التحقيق الدولية حصر موضوع الغطس بالجيش اللبناني ومن يستعان بهم من الخارج، حصرا للمسؤوليات وأخذا في الاعتبار أن الجيش يملك إمكانات لم تستخدم بالكامل حتى الآن، وكذلك أخذا في الاعتبار المعايير الدولية (حدود الغطس والإحداثيات والفترة الزمنية ومسألة التعامل مع الضحايا والجثث الخ...) لقد حصل التباس عندما انتقل فريق إلى منطقة رأس بيروت، وتحديدا قبالة منطقة المنارة، وتم تقدير وجود أجزاء هندسية يمكن أن تكون للطائرة على عمق يصل إلى 1500 متر، والسبب أنه أثناء المسح الذي كانت تقوم به «أوشين الرت» بالعرض وضمن «كوريدورات» محددة من مشارف الدامور وحتى بيروت، التقطت صورا لأجسام هندسية اطلعت عليها لجنة التحقيق الدولية وتم اطلاع مجلس الوزراء عليها، وهذه المعطيات ما زالت قائمة، ويمكن العودة اليها اذا قررت الدولة اللبنانية لاحقا، وقد تكون عبارة عن سفينة محطمة أو طائرة عسكرية محطمة من زمن الحرب العالمية الثانية وربما شيء ثالث غير محدد حتى الآن. غير أن المسح لم يتوقف عند هذه النقطة، بل كان لا يزال مستمرا تبعا لأحوال العاصفة، وخاصة في منطقة الناعمة، حيث كانت إحداثيات الجيش قد حددتها نقطة أساسية محتملة فضلا عن شهود عيان وبعض الصور التي تم التقاطها (تم التحفظ عما إذا كانت قد التقطت من البحر أو من البر) وتم عرضها أمام غرفة العمليات ولجنة التحقيق. لماذا لم تلتقط السفن المعنية صورا لأشكال هندسية في المرحلة الأولى في الناعمة؟ السبب المرجح هو أن عملية المسح كانت تتم بالعرض ومن الغرب باتجاه الشرق ومن العمق بحده الأقصى باتجاه الشاطئ تبعا للمربعات التي تم تحديدها، علما أنه تبين لنا أن الحطام منتشر في دائرة قطرها 300 بالطول و100 بالعرض أي ثلاثين ألف متر مربع. وعندما تم الوصول إلى المنطقة ضمن المسح نفسه، ومن دون أي تعديل في الخطة التي وضعت منذ اليوم الأول، تم التقاط الذبذبات الصادرة عن الصندوق الاسود مجددا بالصوت، وعندما تحسنت أحوال الطقس لجأ فريق العمل إلى التصوير بواسطة جهاز «آر أو في» وتبين وجود أشكال هندسية على عمق حوالى 45 مترا، وفي منطقة تبعد عن الشاطئ حوالى 3 إلى 4 كيلومترات. لاحقا ومن خلال الجهد اللبناني الفرنسي الأميركي المشترك، حدد وبالصور، وجود ذيل الطائرة والجناحين الخلفيين، وتقرر سحبهما. وعليه نزل الغطاسون اللبنانيون والفرنسيون والأميركيون، وحاولوا ثلاث مرات ربط الجناحين بواسطة «الباراشوت» من أجل جعلهما يطفوان على سطح المياه، ولكن لم تنجح المحاولة، وجرت محاولة ثانية بربطهما بواسطة كابل ضخم بهيكل «اوشين الرت»، لكن ما أن تبلغت غرفة العمليات ولجنة التحقيق بوصول GRAPPLE USNS، حتى تم تجميد الرفع بواسطة «اوشين» لأن قدرتها لا تصل إلى رفع أوزان ثقيلة، بينما السفينة الأميركية القادمة من تونس تستطيع رفع ستين طنا، وهذا ما حصل، حيث تم سحب الجناحين الخلفيين بعرض 12 مترا بواسطة حبال وأحزمة متخصصة ووضعت على الباخرة الأميركية GRAPPLE USNS. وبعد فحص الجناحين تبين أنه لا وجود للصندوق الأسود ضمنهما، لكن الجناحين ظلا محملين على متن زورق عسكري لبناني حتى مساء أمس وأصبحا حاليا في القاعدة البحرية للجيش. وأثناء عمليات الغطس التي قام بها الفريق الثلاثي اللبناني الأميركي الفرنسي، تبين أن «الصندوق الأسود» مطمور في الرمل في نقطة تقع مباشرة تحت ذنب الطائرة، وقد تم سحبه، فيما تعذر الوصول إلى صندوق التسجيلات الذي تبين أن لا ذبذبات تصدر عنه، أما الصندوق الثالث الذي تزود به الطائرات في حال التحطم في مناطق برية(يعطي إشارات صوتية عبر البر فقط)، فقد تم العثور عليه. أما على صعيد الوصول إلى الضحايا، فقد تم تكليف «اوشن اليرت» أن تجري «سكان» مرئي بالفيديو الليلة(الماضية) وضمن مهلة تنتهي صباحا في قطر يمتد ثلاثين الف متر مربع لمعرفة ماهية الواقع في المنطقة الممتدة بين ذيل الطائرة ومقصورة القيادة التي تم الوصول إليها أيضا. فإذا تبين أن الهيكل الوسطي قطعة واحدة أو أكثر، ستجري عملية غطس واسعة يشارك فيها كل عناصر مغاوير البحر والخبراء الفرنسيين والأميركيين، بالإضافة للاستعانة بالدفاع المدني اللبناني، حيث سيتم التركيز في الساعات المقبلة على مهمة محددة قبل أن تأتي عاصفة جديدة، وهي العثور على أكبر عدد ممكن من الضحايا. حاليا يوجد في عرض البحر قبالة الناعمة أكثر من مركب عسكري لبناني، أحدها على ظهره فرق من الطبابة العسكرية في الجيش، الدفاع المدني، الأدلة الجنائية، الشرطة العسكرية، وكل جثة يتم انتشالها، يتم التعامل معها بطريقة طبية علمية، بإشراف لجنة التحقيق، وبعد توضيبها توضع في براد تم إحضاره خصيصا من مرفأ بيروت، ومن ثم تنقل الجثث إلى القاعدة البحرية، ومن هناك يجري نقلها إلى مستشفى بيروت الحكومي حيث تبدأ عملية فحص حمضها النووي تمهيدا لمقارنته بالفحوصات التي أجريت مع كل عائلات الضحايا. لجنة التحقيق تشرف على كل الخطوات وهي عقدت، أمس، اجتماعا تنسيقيا، في القاعدة البحرية، شاركت فيه قيادة الجيش وكل الفرق العاملة، فيما كانت قيادة الجيش تتولى عملية إدارة العمليات لحظة بلحظة من خلال نائب رئيس الأركان العميد الركن عبد الرحمن شحيتلي، الذي كان يدير العمل طيلة الأيام الأخيرة، من على متن الزوارق العسكرية مباشرة، فيما انقسم أعضاء لجنة التحقيق بين التواجد في غرفة العمليات المركزية في القاعدة البحرية والتواجد أيضا المباشر على متن الزوارق المشاركة في عمليات البحث والإنقاذ. عند هذا الحد، يمكن القول أن عمل لجنة التحقيق قد حقق خطوات متقدمة، حيث أمر رئيس الحكومة سعد الحريري، بوضع طائرة خاصة بتصرف اللجنة التي توجه عدد من أعضائها إلى فرنسا، مساء أمس، بوصفها واحدة من ثلاث دول في العالم قادرة على تحليل مضمون «الصندوق»(هناك أيضا الولايات المتحدة وكندا)... وخلال أيام قليلة وليس أشهرا كما قيل، سيجري اتخاذ قرار في ضوء النتائج، حول إمكان سحب باقي أجزاء الطائرة أم لا.
|