ناصر قنديل ربما يكون وليد جنبلاط الوحيد بين السياسيين، الذي يملك مكانين متناقضين في قلوب أغلب اللبنانيين، خصوصا الذين جمعتهم به السياسة بعلاقة مباشرة من قريب او بعيد ، فهو الذي لا تأمن جانب التفاهم معه ، وهو الذي لا تملك أن تكرهه ، عينك عليه خشية إنقلاب جديد ، ولا غنى عنه في حلف جديد ، او قلبك معه حتى يعود . حدث أن تعرفت على وليد جنلاط وجمعتنا مصادفات ولقاءات ، من موقعين حذرين سواء في التلاقي او الخلاف، لكنني كنت في ذروة الحالتين أدعو إلى عدم الذهاب إلى التطرف لأن الأمر لن يدوم ، فلا التحالف مطمئن حتى تضع رجليك في ماء باردة، ولا الخصومة خيار لارجعة عنه حتى تحرق السفن ، لا بل إنني في المرتين الأهم من الخلاف ، في حرب العلمين عام 86 والإشتباك على منبر البرلمان العام 2000 ، كنت وأنا عنوان في الخلاف اشجع على اللقاء والتواصل وقياس نتائج المواجهة في إنضاج موقف جديد لدى جنبلاط ، حتى لو بقيت بنظره صانعا او عنوانا للخصومة . تكرر هذا عام 2005 وكنت واثقا أن أول من سيظهر التموضع الجديد في توازنات البلد والمنطقة هو وليد جنبلاط ، وعندما إنطلقت قرارات 5 ايار وشرارة 7 ايار ووليد جنبلاط في قلب التاريخين ، كانت عيني عليه ، ولما لاحت بوادر التموضع قمت بما إستطعت لتشجيع هذا التموضع على أكثر من عنوان تكشف تفاصيله الأيام . اليوم في البلد تساؤلات حول مستقبل العلاقة مع وليد جنبلاط خصوصا زيارته المنتظرة إلى دمشق، وبعيدا عن ما يحمله الوسطاء الحقيقيون أو الراغبون بحجز بمقعد في بوسطة الوساطات ، وبعيدا عن الإستناد إلى معلومات تحدد موقف سوريا وقيادتها السياسية، وهي كما نعلم منفتحة على التلاقي وتترك السياقات تفرض مواعيدها ، أعتقد أن وليد جنبلاط ليس سياسيا تقليديا ، يمكن النظر إلى دوره وفقا لمعادلة موازين القوى ، فهو قيمة مضافة في معسكر الخصوم عندما يخاصم ، وقيمة مضافة في معسكر الأصدقاء عندما يصادق . الثابت بنظري هو أن حجم التغيير الذي ألحقه وليد جنبلاط بالتوازنات السياسية الداخلية أكبر من لعبة موازين القوى الطائفية ، ودوره الريادي في انتاج الحقبة الجديدة بالتالي ،سواء فيما يخص مستقبل سلاح المقاومة أو العلاقات اللبنانية السورية أو معادلة الأكثرية النيابية ، أولا لأنه وليد جنبلاط ، وثانيا ،وبصورة خاصة، للمكانة الحاسمة التي إحتلها في صناعة وتزخيم شعارات وخطة الحرب على هذه العناوين، فإكتسب خطابه الجديد بصددها قيمة تعادل القيمة التي تمكن من إحتلالها في خطابه القديم . لكن وليد جنبلاط لم يفعل ذلك في تعبير عن إعادة تقييم وقراءة نقدية للتجربة من موقع خيار المواجهة مع إسرائيل وحماية السلم الأهلي وتمتين العلاقة مع سوريا ، أو خيار العروبة كما يقال ، ليستدرك أنه إرتكب أخطاء تستدعي المراجعة والتصحيح ، فوليد جنبلاط أكثر من يمكن القول أنهم دخلوا حربا كاملة بوعي كامل للأهداف والوسائل ، فهو كان يعرف ماذا يفعل ، وكان يدرك انه ذاهب لحلف يريد تغيير النظام في سوريا، وأنه يلعب دور الناطق القوي المسموع الصوت بإسم هذا الحلف، وهو كان يدرك أن التشهير بسلاح المقاومة جزء من خطة الحرب على هذا السلاح ، وهو كان يدرك أن اللعب بالنار سيذهب بالبلد إلى حافة الحرب الأهلية ، لذلك وليد جنبلاط يعود بعد أن إختبر خياراته حتى نهاياتها، ووقف على خلاصات المحارب الذي هزمت جيوشه فأعلن الإستسلام الوقائي، وليس فعل الندامة إلا التعبير الملطف عن هذه الخلاصة ، ومن جهة مقابلة وليد جنبلاط لم يترك سلاحه في هذه الحرب ليخذل حلفاؤه، فمن يظنون أنهم الحلفاء ويعتبون على وليد جنبلاط هم الحلقة الأضعف في جبهة الحرب تلك ، وليد جنبلاط تموضع في سياق تمهيد الطريق ومواكبة تموضع القوة الحاسمة في هذه الحرب، وهي المملكة العربية السعودية ، وكان مخلصا ودقيقا في ترتيب أولوياته على روزنامتها، تماما كما فعل في تموضعه المعاكس قبل سنوات . اليوم وقد إكتملت عدة التموضع ، لا نقاش حول جدوى الملاقاة الواجبة للحراك الجنبلاطي في رسم معالم اللوحة الجديدة للبنان والمنطقة ،فهذا أمر محسوم ، بل إن النقاش هو حول الأجدى في الكيفية التي يستطيع من خلالها جنبلاط ان يرمم ويصحح بعض ما الحق به الأذى، في تموضعه السابق ، ومن موقعه الريادي فيه ، بصورة تعطيه الموقع الذي يسعى إليه في ما يسميه جبهة العروبة وفلسطين . ثلاثة اشياء يملك وليد جنبلاط القيام بها ولا أظن أن أحدا ناقشها معه بعد، وهي بالتأكيد ليست شروطا لفريق معني بتموضعه الجديد، سواء في لبنان او في سوريا، فهي أفكار ليس إلا : 1- مناقشة علنية للتجربة الماضية من زاوية الذاكرة التاسيسية للبنانيين ، فحركة 14 آذار ليست بالمعنى التاريخي إلا جمعا نموذجيا لتجربتين متناقضتين في المضمون الداخلي الطائفي ومتلاقيتين في الوجهة الكيانية، لكل من كمال جنبلاط وبشير الجميل ، حيث التجربتين ووريثتهما معا 14 آذار ،تعبير عن حراك نخب الجبل اللبناني للبنانية منفصلة عن سوريا ، مرة بغطاء عربي فلسطيني تقدمي تحرري خاض غمارها كمال جنبلاط، ومرة بعنوان التحالف مع الغرب وإسرائيل خاض غمارها بشير الجميل، وجاءت الثالثة بقيادة وليد جنبلاط ليجتمع فيها وحولها ووراءها ما علم وما لم يعلم ، والنتائج التي أفضت إليها التجارب الثلاثة تضع بين يدي وليد جنبلاط، الوريث الشرعي لمحاولتين من الثلاثة على الأقل، ما يسمح بأن يقول للبنانيين أفضل من اي احد آخر ، أن الجغرافيا السياسية الحاكمة تجعل كل سعي للبنانية منفصلة عن سوريا عبثا ومقامرة ، وأن هذا العبث هو وصفة مستعجلة للحرب الأهلية مهما بدت الموازين الدولية والإقليمية والمحلية مصدر إغراء لخوض المغامرة ، وان الرهان على الجمع بين هذه اللبنانية المنفصلة عن سوريا والحد الأدنى من الكرامة الوطنية في الموقع من الصراع مع إسرائيل وهم وسراب، فإسرائيل شريك حتمي وأول في قطف ثمار وتوظيف هذه المغامرة ،التي سرعان ما تتحول إلى واحدة من جبهات الحرب الإسرائيلية على لبنان وفيه وبواسطة داخله المريض ، عبرة يتحمل وليد جنبلاط قبل اي أحد آخر مسؤولية وضعها أمام أعين الأجيال اللاحقة. 2- مناقشة علنية لمبررات التمسك بإتفاقية الهدنة التي لا يزال وليد جنبلاط يكررها لازمة في مقاربته للصراع مع إسرائيل، من ضمن دعوته لمنظومة الحفاظ على المقاومة ، فيما القرار 1701 يقدم صيغة افضل من الهدنة، فسقفه وقف إطلاق نار لم يعلن بعد، وليس هدنة، والفرق كبير بين وقف إطلاق النار في حرب وهدنة تعلناللاحرب واللا سلم، وإطار القرار الدولي مشرعن بقوات اليونيفل لضمان وقف النار، وليس صيغة المراقبين التي لم تعد قائمة، ولا خطوط عسكرية ونوعية قوات يحتاج تعويمها لتفاوض مع إسرائيل بعدما باتت من الماضي ،و معلوم أن جنبلاط لا يريدها ،و مهم التذكير بأن إتفاقية الهدنة تحتاج لإحيائها إما تسليما بكونها ستاتيكو إسرائيلي ،يكرس خط الهدنة خطا نهائيا للحدود ويتناسى الإلتزمات المقابلة على الجانب الإسرائيلي ،وإما العودة للثوابت التي حكمت موقف الوفد المفاوض اللبناني يومها، سواء لجهة رفض تكريس خط الهدنة كخط نهائي للحدود الدولية بعد إقتطاع القرى السبع من الأراضي اللبنانية، ورفض التوقيع على الإتفاقية قبل إعلان إسرائيل الإلتزام بالقرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينين إلى ديارهم ، فهل يدعو جنبلاط إلى إتفاقية الهدنة إطارا يعقب تنفيذ القرار 1701 بعد عودة مزارع شبعا والغجر وتلال كفرشوبا؟ على قاعدة إشتراط ذلك بتأكيد لا نهائية خط الحدود قبل حسم مصير القرى السبع ؟ وإعادة تأكيد الإلتزام الإسرائيلي بالقرار 194 ؟ وبالتالي إعتبارها إطارا لمرحلة تعيد الحقوق الإستراتيجية كالقرى السبع وضمان عودة اللاجئين ؟ خصوصا أن إتفاقية الهدنة تنطلق من التعامل مع جيش لبناني وقوات غير نظامية أو شبه نظامية ،هي قوات الفدائيين عام 1948 الذين قادهم الأمير مجيد إرسلان والمناضل معروف سعد آنذاك، وهي قوات المقاومة التي يقودها السيد حسن نصرالله اليوم ؟ 3- التعامل بشفافية مع قضية النيل من مهابة رموز خيار العروبة والمقاومة ، فعندما ذهب جنبلاط إلى التناول الشخصي ،خصوصا لرمزي الرئيس بشار الأسد والسيد حسن نصرالله، لم يكن يفعل ذلك غضبا ولا عبثا ولا إنفعالا ، بل قالها بنفسه، إنها عملية تحطيم للقدسية ، وهو يعلم جيدا أن ذلك كان جزءا من معركة يشكل فيها الرمزان نقطة الثقل ، وتشكل مهابتهما عنصرا حيويا في جبهة المواجهة لدى جمهورهما وفي معكسر الأعداء، في آن ، و أن النيل من هذه المهابة كان جزءا من مشروع تعديل موازين القوى ، ويدرك جنبلاط ان موقعه في جبهة العروبة تقرره إضافته الهامة لها ، وهي في ما يضيفه من عناصر قوة ، أهمها هو إعادة تصحيح ما تسبب به في ساحة النيل من المهابة، وموقعها في موازين القوى في المواجهة ، وهو المدرك لهذا الجانب المهم في صناعة التوازنات ، وبذات الوعي الذي جسده لموقعها سابقا من جهة، ولموقع جنبلاط في هذه المعركة من جهة أخرى .
|